محمد جمال الدين القاسمي

115

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : دخلت على عثمان يوم الدار فقلت : جئت لأنصرك . وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين ! فقال : يا أبا هريرة ! أيسرّك أن تقتل الناس جميعا وإياي معهم ؟ قلت : لا ! قال : فإنك إن قتلت رجلا واحدا فكأنما قتلت الناس جميعا ، فانصرف مأذونا لك ، مأجورا غير مأزور . قال : فانصرفت ولم أقاتل . و روى الإمام أحمد « 1 » عن عبد اللّه بن عمرو قال : « جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ! اجعلني على شيء أعيش به . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا حمزة ! نفس تحييها أحبّ إليك أم نفس تميتها ؟ قال : بل نفس أحييها . قال : عليك بنفسك » . وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ يعني : بني إسرائيل رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ أي : الآيات الواضحة الناطقة بتقرير ما كتبنا عليهم ، تأكيدا لوجوب مراعاته ، وتأييدا لتحتم المحافظة عليه ، ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ أي : من بني إسرائيل بَعْدَ ذلِكَ أي : بعد ما كتبنا عليهم ، وبعد مجيء الرسل بالآيات والزجر المسموع منهم لَمُسْرِفُونَ يعني : بالفساد والقتل . لا يبالون بعظمة ذلك . قال ابن كثير : هذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها . كما كانت بنو قريظة والنضير وغيرهم من بني قينقاع ، ممن حول المدينة من اليهود الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج ، إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية ، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها فدوا من أسروه ، وودوا من قتلوه . وقد أنكر اللّه تعالى عليهم ذلك في ( سورة البقرة ) حيث يقول : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ [ البقرة : 84 - 85 ] الآيات . وقال الرازيّ : المقصود من شرح هذه المبالغة - يعني قوله تعالى : فَكَأَنَّما قَتَلَ الآية - أن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء والرسل ، وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة اللّه تعالى . ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص تسلية الرسول صلى اللّه عليه وسلم في الواقعة التي ذكرنا أنهم عزموا على الفتك برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبأكابر أصحابه - كان تخصيص بني إسرائيل في هذه القصة ، في هذه المبالغة العظيمة ، مناسبا للكلام ومؤكّدا للمقصود .

--> ( 1 ) أخرجه في المسند 2 / 175 وحديث 6639 .